هل يمكن أخلاقياً تبرير ترحيل الناس من ديمقراطية ليبرالية؟ إن تردّدت للتو ولو للحظة، أو إن كان جوابك أي شيء دون «نعم» مدوّية، فهذا المقال موجّه إليك.
من دون أي حاجة إلى تمهيد، جوابي الشخصي هو بالتأكيد. بل من الممكن أنّ الديمقراطية الليبرالية تتطلّب وجود إمكانية حقيقية للترحيل. انطباعي أنّ عدداً كبيراً من المدافعين عن الهجرة والليبراليين العاديين، بمن فيهم كثير من زملائي الباحثين في الهجرة، يحملون ببساطة افتراضاً ضمنياً بأنّ نظام الهجرة العادل هو نظام لا يُرحَّل فيه أحد أبداً، ولا شخص واحد مهما كانت الظروف. ما سأحاول إقناعك به هنا هو أنّ هذا الافتراض خاطئ، وأعتقد أنه صار أحد العوائق أمام بناء سياسة الهجرة التي يريدها معظمنا فعلاً.
في ربيع هذا العام، جادلت في The Atlantic بأنّ القاعدة القديمة القائمة على معارضة الهجرة غير القانونية «فقط»، رغم ما شابها كثيراً من عدم الصدق، كانت بمثابة الدرع السياسي الذي يحمي الهجرة القانونية، وأنّ انهيارها ينبغي أن يقلق كل من يريد مزيداً من هذه الأخيرة. هذا المقال يأخذ تلك الحجة خطوة أبعد، إلى الجزء الذي لا يكاد أحد في معسكري يريد الدفاع عنه، ويدافع عن قضية ضيقة لكنها جوهرية: في الديمقراطية الليبرالية، لا بدّ من إبعاد بعض من لا يملكون حقاً قانونياً في البقاء، بما في ذلك بالقوة، وإلى بلدان ثالثة، حين لا ينفع أي شيء آخر.
تبدو تلك الجملة أقسى مما هي عليه لأنّ نقاشات الهجرة درّبتنا على سماع كلمة «ترحيل» بوصفها إما قسوة لا داعي لها وإما تشدداً تقييدياً. لكنّ الطريقة الأفضل للتفكير في الترحيل هي اعتباره، شأنه شأن السجن أو حتى عقوبة الإعدام، واحداً من أدوات السياسة المشروعة التي تملكها حكوماتنا الديمقراطية لإنفاذ قوانينها وحفظ النظام. فإذا كانت إجراءات اللجوء لدينا ذات معنى، فستفشل بعض الطلبات. وإذا كانت المراجعة القضائية مهمة، فستُستنفد بعض الطعون. في نهاية المطاف، إذا أردنا أن نطلب من المواطنين الثقة بنظام هجرة سخي، فيجب أن تكون حكومتهم قادرة على تنفيذ قرارات النظام نفسه.
لن أقترح هنا إطاراً تفصيلياً للإنفاذ، والمقال محايد عمداً بشأن عدد من ينبغي إبعادهم وكيفية ذلك. هدفي هنا هو ببساطة إرساء أرضية مشتركة يستطيع الجميع الوقوف عليها، حتى نتمكّن من إجراء حوار مثمر حول تصميم الإنفاذ بدلاً من المشاحنة الحالية بين «رحّلوهم جميعاً» و«الترحيل غير مشروع».
أقوى حجة ضد الترحيل
بما أنني أحاول هنا تقديم الحجة الليبرالية المؤيدة للترحيل، عليّ أولاً أن أعرض الرأي المقابل في أقوى صوره. لا تسيئوا فهمي، فالترحيل أمر سيئ إلى حد بعيد، وهذا أقل ما يقال.
حين يُرحّل عملاء الحكومة المهاجرين، فإنهم يرتكبون عنفاً قسرياً باسم الدولة ضد أشخاص لا ذنب لهم، في الغالبية العظمى من الحالات، سوى رغبتهم في حياة أفضل. وترحيل الناس يكلّف أموالاً طائلة كان يمكن إنفاقها على أي شيء آخر أكثر نفعاً تقريباً.1 وهو يلحق ضرراً مباشراً ودائماً بالمرحّلين وأرباب عملهم وأصدقائهم وعائلاتهم، ومن بينهم كثير من المواطنين. وقد ينتهك القانون الدولي حين يُرحّل الناس إلى الاضطهاد، في حين تُتّخذ قرارات البت في قضايا الهجرة في ظل شكوك حقيقية، مع الصدمات النفسية والترجمة الرديئة والوثائق الناقصة والوصول المتفاوت إلى المحامين، وكلها ترفع احتمالات الخطأ. وفوق ذلك كله، لا توجد أحياناً دولة قائمة يمكن الترحيل إليها أصلاً، أو دولة مستعدة لاستقبال أحد. في المحصلة، الترحيل بوضوح من أشد ما يمكن لدولة ديمقراطية ليبرالية حديثة أن تفعله بإنسان خارج قانونها الجنائي.
بعض الباحثين والمدافعين يأخذون هذه المقدمات إلى خلاصة راديكالية، ولذا فما يلي ليس رجل قش. ففي UCLA Law Review، تجادل الباحثة القانونية أنجيليكا شازارو بأنّ الترحيل عمل عنف لا يمكن الدفاع عنه وبأنّ إلغاءه ينبغي أن يكون الأفق الذي يسعى إليه الدفاع عن المهاجرين. وقد رسم باحثون آخرون ملامح الممارسة القانونية الساعية نحو ذلك الأفق.
لا أشك في أنّ هذا الموقف متماسك ومعتنق بصدق. وهو على الأرجح أكثر تأثيراً مما يوحي به أنصاره الصريحون: فمقابل كل باحث يكتب «ألغوا الترحيل»، هناك كثيرون من المدافعين والأكاديميين ممن لن يوقّعوا على الشعار أبداً لكنهم يعاملون كل عملية إبعاد فعلية بوصفها مشبوهة أخلاقياً. وهناك فئة أكبر على الأرجح، تضم كثيراً من زملائي الأكثر اعتدالاً والليبرتاريين، تُبقي الترحيل ببساطة بعيداً عن العين والبال. فالموضوع بالنسبة إليهم يحمل إحساساً غامضاً بأنه مسيء للسمعة، ولذا تلتف أوراقهم ومقترحاتهم السياسية حوله في الغالب. وعليّ أن أعترف بأنني كنت مذنباً بهذا بنفسي. كتابي بالكاد يناقش الحاجة إلى الترحيل والإنفاذ أصلاً، رغم أنّ كل ما يجادل به حول الثقة والنظام يعتمد عليهما بوضوح. وكتابة هذا المقال محاولتي لتصحيح ذلك.
رأيت هذه النظرة إلى العالم معروضة أمامي في مؤتمر Council for European Studies في دبلن في يونيو الماضي (مؤتمر كبير نادر استمتعت به فعلاً)، حيث ظلت الجلسات المخصصة للهجرة تسير في اتجاهين مختلفين، مع بعض الخلافات المحتدمة. جزء من القاعة أصرّ على أنّ الديمقراطيات الليبرالية لا يمكن أن تبقى من دون عضوية واضحة ونظام عام، بينما تحدث كثير من الباحثين والمدافعين الآخرين عن الإبعاد بوصفه شيئاً ملوثاً أخلاقياً، شيئاً لم تعد الدول المحترمة تفعله. وما أدهشني أكثر هو ندرة قول ذلك المعسكر الثاني ما الذي ينبغي أن يحدث فعلاً حين يُرفض طلب لجوء شخص ما نهائياً. كان السؤال يبقى معلقاً عادةً إلى أن تنتقل الجلسة إلى الحالة الصعبة التالية.
بنية هذا التهرب مألوفة من نقاش آخر. فقد بنى دعاة إلغاء السجون حركة فكرية جادة على ملاحظة أنّ السجون وحشية ومكلفة وتُطبَّق على نحو غير متكافئ. وهذه ملاحظات صحيحة في حدودها. لكنّ الحركة ظلت تتعثر دائماً أمام سؤال ما الذي يحدث لمن يرتكبون أذى جسيماً، والجواب الأكثر شيوعاً هو أنه في مجتمع عادل، عولجت فيه مشكلات الفقر واليأس، نادراً ما سيرتكب الناس مثل هذا الأذى أصلاً. في الشهر الماضي فقط، وقبل أيام من فوزها بالانتخابات التمهيدية للكونغرس في نيويورك، سُئلت الاشتراكية الديمقراطية وداعية إلغاء السجون داريليزا أفيلا شيفالييه مراراً في مقابلة عما ينبغي أن يحدث لمن يقتل إنساناً آخر؛ فلم تُجب مباشرة قط، قائلة إنها تتحدث عن «المسافة بين العالم الذي نريد رؤيته والعالم الذي نحن فيه».
كثير من المدافعين عن الهجرة يحملون الصورة المعكوسة لهذا الرأي: في نظام هجرة عادل، تكون فيه الحواجز منخفضة أو زائلة، لن يبقى إلا القليل من قوانين الهجرة القابلة للانتهاك، وبالتالي لن يحتاج أحد إلى الترحيل. كلا الموقفين ينقل الحالة الصعبة إلى يوتوبيا لم تعد تنشأ فيها. وكلاهما يترك المؤسسة الفعلية، تلك العاملة في العالم الذي لدينا، من دون تفسير مبدئي لأصعب مهامها وأكثرها تحديداً لهويتها.
بالطبع، الهجرة غير القانونية ليست قتلاً بكل بساطة. صديقي براين كابلان قدّم صيغة من هذه الحجة الشهر الماضي فقط: كل من قاد سيارة يوماً خرق حد السرعة، و«إن كنت ترى أنه لا بأس في خرق قانون يمنع القيادة بسرعة 56 ميلاً في الساعة في الصحراء، فينبغي أن ترى أنه لا بأس في خرق قانون يمنع جز العشب مقابل المال». فالوجود غير المصرح به، في هذا الطرح، انتهاك تنظيمي بلا ضحايا، ما يجعل الترحيل عقوبة غير متناسبة على نحو فادح.
أنا أسمع براين وسائر الليبرتاريين الذين يطرحون هذه الحجة. لكننا نعيش في ديمقراطية، شئنا أم أبينا، وهذه ببساطة ليست طريقة تفكير معظم الناخبين الذين لهم كلمة في من يُنتخب لاحقاً. ثم إنّ كلمة «بلا ضحايا» تتحمل عبئاً كبيراً في تلك الجملة. في الولايات المتحدة الوصف صحيح إلى النصف على الأقل، إذ يدفع العمال غير المصرح لهم ضرائب فيدرالية مقابل مزايا لا يستطيعون المطالبة بها أبداً، لكنّ تكاليف وجودهم تقع قريباً من البيت: فالتعليم والخدمات المحلية التي تستخدمها عائلاتهم تمولها الولايات والبلدات، وهو تفاوت وثّقته National Academies في دراستها المالية المرجعية. وفي دول الرعاية الأوروبية الأكثر سخاءً بكثير، حيث يظل حتى من صدر بحقهم أمر مغادرة مستحقين للسكن والمزايا، يصعب تجاهل الحساب المالي أكثر.2 ثم إنّ الوضع الراهن للقانون في الولايات المتحدة وسائر الديمقراطيات المتقدمة هو أنّ الأجانب المقيمين بصورة غير قانونية، متى صدر أمر بإبعادهم، يجب بنص القانون أن يُرحَّلوا فعلاً، بينما تجاوز السرعة، الذي يُطبَّق القانون بشأنه أحياناً حتى حين لا يكون ذلك ضرورياً تماماً، لن يجلب لك عادة أسوأ من مخالفة.
كما بيّن علماء السياسة ماثيو رايت وموريس ليفي وجاك سيترين أنّ الأمريكيين حين يقيّمون الهجرة غير القانونية ينتقلون من وزن خصائص المهاجرين الأفراد إلى أحكام أخلاقية فئوية متجذرة في سيادة القانون، ويجادل كتاب ليفي ورايت بأنّ الإنصاف المدني هو الإطار المهيمن الذي يحكم به الأمريكيون على القضية. الناخبون يعاملون الدخول غير المصرح به بوصفه خرقاً للعقد الاجتماعي، والحركة التي تواصل تشبيهه بمخالفة مرور إنما تقنعهم في الغالب بأنها لا تنوي إنفاذ أي شيء.
هكذا، حتى أقوى حجة ضد الترحيل تظل قاصرة عن الخلاصة التي يستخلصها منها كثير من المدافعين. نعم، التكاليف الاقتصادية والأخلاقية العالية للترحيل حجة دامغة لصالح عملية ترحيل منصفة وعادلة: جلسات استماع كاملة، وترجمة كفؤة، ووصول إلى محامٍ (وهو ما سيتعين على دافعي الضرائب، بالمناسبة، دفع ثمنه أيضاً)، وتصحيح صارم للأخطاء يضمن ألا تقع إدانات زائفة. وهي حجة قوية، وإن كانت أقل إقناعاً، لجعل الإبعاد نادراً قدر الإمكان، وإعطاء الأولوية لأسوأ المخالفين، وإخضاع القرارات للمراجعة. لكنّ أقوى حجة ضد الترحيل لا تدعم الخلاصة القائلة إنه لا ينبغي ترحيل أحد أبداً، تماماً كما أنّ أقوى حجة ضد الظروف المروعة في أنظمة السجون الأمريكية المحلية تعجز عن إثبات أنه لا ينبغي عزل أحد عن المجتمع أبداً.
اختباري لكل من يتردد هو هذه الحالة الافتراضية الوحيدة. لنفترض أنّ شخصاً تقدّم بطلب لجوء وحصل على كل ما تستطيع العملية تقديمه: إخطار سليم، ومترجم، ومحامٍ، وجلسة استماع كاملة، واستئناف. خسر في كل مرحلة؛ وبلده الأصلي آمن له ومستعد لاستقباله، ولا تنطبق عليه أي حماية قانونية، بل إنّ الحكومة تعرض دفع ثمن رحلة العودة. ومع ذلك يرفض المغادرة. إن كنت تقول إنّ الدولة الليبرالية لا تستطيع إبعاد حتى هذا الشخص، فإنّ خسارة قضية هجرة لا عاقبة لها على الإطلاق،3 وكل تلك الجلسات كانت طقساً مكلفاً من قانون زائف. حتى جوزيف كارينز، الفيلسوف الذي فعل أكثر من أي أحد لبناء الحجة الأخلاقية للحدود المفتوحة، يكتب بوضوح أنّ لا شيء في حجته «ينكر حق الحكومة الأخلاقي والقانوني في منع الدخول أصلاً وفي ترحيل من يستقرون من دون تصريح، ما دامت عمليات الطرد هذه تجري في مرحلة مبكرة نسبياً من الإقامة».
ألمانيا: ماذا يحدث حين لا يُرحَّل أحد
تستحق ألمانيا اهتماماً مطولاً لأنها ديمقراطية ليبرالية غنية ذات حمايات قانونية متقنة وفشل إنفاذي ظاهر، ولأنّ الأمريكيين، الذين يربطون الترحيل حالياً بالمداهمات المتلفزة وحصص الاعتقال اليومية، يميلون إلى اعتبار وضعها غير قابل للتصديق حقاً حين يعرفونه. في زيارتي البحثية إلى هناك العام الماضي، تحدثت إلى سياسيين وناشطين من مختلف الأطياف، وظل يمين الوسط السائد (CDU) يردد لي الشيء المفاجئ نفسه بالضبط: يكاد يكون من المستحيل ترحيل أي أحد من ألمانيا. واشتكوا من أنّ كثيراً ممن رُفضت طلبات لجوئهم قبل سنوات ما زالوا يعيشون في مساكن يمولها دافعو الضرائب، ولا تستطيع السلطات فعل الكثير حيال ذلك. كنت متشككاً، إذ إنّ الشكوى من ضعف الإنفاذ هي ما يفعله سياسيو اليمين في كل مكان. ثم راجعت الأرقام، فإذا بهم على حق في معظمها.
قد يبدو هذا كله لمراقب خارجي نكتة بيروقراطية. ففي نهاية عام 2025، كان نحو 232 ألف شخص في ألمانيا ملزمين قانونياً بمغادرة البلاد، ونحو 82 بالمئة منهم يحملون «Duldung»، وهي شهادة رسمية بالتسامح: الدولة أمرتك بالمغادرة وتشهد في الوقت نفسه بأنها لن تجبرك، في الوقت الراهن، على ذلك. وعلى مدى عام 2025 بأكمله، رحّلت ألمانيا أقل من 23 ألف شخص، بينما أُلغيت أكثر من 34 ألف عملية ترحيل مخططة أو لم تُنفَّذ قط، عادةً لتعذر إحضار الشخص في اليوم المحدد. عمليات الإبعاد المخططة التي فشلت فاقت تلك التي نجحت، وكما يقول CDU تماماً، يظل كثير ممن أُمروا بالمغادرة مستحقين للسكن والمزايا الممولة من الدولة طوال بقائهم، أحياناً بمستويات مخفضة. ولاحظ أنّ ترتيباً كهذا ليس لطفاً بـ«المتسامَح معهم» أيضاً: سنوات من وضع قانوني هش وقيود عمل متقلبة، من دون أي سبيل للتخطيط لحياة.
بالطبع، إن تحدثت إلى ناشطين يساريين مؤيدين للهجرة، فسيقدمون لك تفسيراً مختلفاً لهذه الأرقام ذاتها. فالترحيلات الألمانية ارتفعت فعلياً خمس سنوات متتالية، والمغادرات الطوعية تفوق عمليات الإبعاد القسري، ومعظم حاملي الـDuldung لا يمكن قانونياً إبعادهم في الوقت الراهن، لأسباب تمتد من وثائق السفر المفقودة والهوية غير المحسومة إلى الظروف العائلية والطبية. كما تواصل ألمانيا تحويل هذا المخزون إلى مقيمين قانونيين عبر قانون حديث لـ«فرصة البقاء» لمن طال استقرارهم.
لكن حتى دولة ترحّل أكثر كل عام قد بنت فئة راسخة تضم ربع مليون شخص في آن واحد، معلقين، لسنوات غالباً، بين قرار قانوني وأي حسم حقيقي، سواء بالمغادرة أو بوضع قانوني آمن. فتنفيذ عمليات الإبعاد هو «في الأساس مسؤولية الولايات (Länder)»، أي الولايات الست عشرة، التي تتباين ممارساتها إلى حد دفع مجلس الخبراء الحكومي للاندماج والهجرة إلى تشخيص «مشكلة اتساق جلية»: قضايا متطابقة تنتهي نهايات مختلفة تبعاً للمكتب المحلي الذي يمسك الملف. الموظف المحلي الذي عليه وضع عائلة على متن طائرة يتلقى قصة الصحيفة، بينما تكاليف عدم إنفاذ أي شيء أبداً لا تقع على أحد بعينه.
لم يعد هذا كله افتراضياً. فبعد أن قتل رجل أفغاني كان ملزماً قانونياً بمغادرة البلاد طفلاً في الثانية من عمره وشخصاً بالغاً في أشافنبورغ في يناير 2025، بنى فريدريش ميرتس خطته الإنفاذية ذات النقاط الخمس حول هذه الفجوة الإنفاذية ومرر اقتراحاً غير ملزم عبر البوندستاغ بأصوات AfD، محطماً محرماً قائماً منذ ما بعد الحرب. في هذه الأثناء، تظل عمليات الإبعاد التي تتصدر العناوين شبه احتفالية: رحلتان حظيتا بتغطية إعلامية مكثفة لمدانين إلى أفغانستان ورجل واحد أعيد إلى سوريا، نحو مئة شخص إجمالاً، مقابل مخزون قدره 232 ألفاً. وحين تبدو الحكومة السائدة قاسية وعاجزة في آن واحد، فإنّ الأحزاب التي تعد بأن تكون قاسية فحسب لا تبقى عند 20 بالمئة إلى الأبد. AfD يتقدم الآن على CDU في الاستطلاعات، مقترباً من 30 بالمئة.
ليس أي من هذا الشلل ثمناً يتحتم على ديمقراطية ليبرالية دفعه مقابل إنسانيتها. فكندا، قصة النجاح المفضلة لدى الجميع في مجال الهجرة، أغلقت نحو 23 ألف ملف إبعاد في 2025، ارتفاعاً من نحو 15 ألفاً في 2023، أكثر من أربعة من كل خمسة منها تخص طالبي لجوء رُفضت طلباتهم نهائياً. غادر معظم هؤلاء من دون مرافقة بعد قرار نهائي، مع الاحتفاظ بالقوة لأقلية صغيرة، والحكومة تمول علناً وكالة حدودها لتنفيذ 20 ألف عملية إبعاد سنوياً حمايةً لنزاهة نظام اللجوء. تستطيع ديمقراطية غنية إذن أن تدير واحداً من أكثر أنظمة الهجرة سخاءً في العالم وأن تضمن مع ذلك أنّ «لا» النهائية يتبعها عادةً رحيل فعلي.
الولايات المتحدة: إنفاذ واسع النطاق بلا مصداقية
لدى الولايات المتحدة الاعتلال المعاكس، وقد شاهدته عن قرب. في نوفمبر 2025، كنت لا أزال أعيش في شارلوت بولاية نورث كارولاينا، حين جلب قائد حرس الحدود غريغوري بوفينو عملاءه إلى المدينة فيما سمّته الحكومة عملية Charlotte’s Web. في خمسة أيام، نفّذ العملاء أكثر من 250 اعتقالاً، شمل منها أقل من الثلث، بحسب وثيقة داخلية لوزارة الأمن الداخلي حصلت عليها CBS News، أشخاصاً مصنفين «أجانب مجرمين». وفي يوم الإثنين التالي لبدء العملية، تغيب أكثر من 30 ألف طالب، أي خُمس المنطقة التعليمية، عن مدارس شارلوت-مكلنبورغ. واضطرت أعمال تجارية كثيرة إلى الإغلاق لأسابيع. حتى الجمهوريون جفلوا: حاكم نورث كارولاينا السابق بات ماكروري قال لـThe Daily Beast إنّ حزبه «كانت له اليد العليا في ملف الهجرة ما داموا يلاحقون المجرمين والعصابات»، وإنه بدأ يخسرها «بسبب التنفيذ المفكك الظاهر للاعتقالات».4
على عكس ألمانيا، ظلت أمريكا تُبعد الناس على نطاق واسع: فبحلول ديسمبر 2025، زعمت الإدارة تنفيذ أكثر من 605 آلاف عملية ترحيل في أقل من عام، إضافة إلى أعداد أكبر بكثير تحتسبها ترحيلاً ذاتياً.5 لكن عليّ أن أكون صادقاً في أنّ البلدين يشتركان في أكثر مما توحي به نسخ القنوات الإخبارية. فلأمريكا مخزونها الخاص المشابه للـDuldung: نحو 1.5 مليون شخص يقبعون في سجل ICE بأوامر إبعاد نهائية لم تُنفَّذ قط، كومة متنافرة تمتد من الفارين إلى أشخاص يحميهم القانون نفسه حالياً، معطلة بكثير مما يعطل ألمانيا، من دول ترفض استعادة رعاياها إلى وثائق سفر مفقودة وطاقة محدودة للاحتجاز والرحلات. والعملية الكامنة وراء تلك الأوامر تنجح في أن تكون بطيئة وهشة في آن واحد: فتراكم قضايا محاكم الهجرة يبلغ نحو 3.2 مليون قضية عالقة، وقضايا اللجوء تستغرق أربع سنوات أو أكثر للبت فيها، ومعظم الأشخاص في تلك الإجراءات بلا محامٍ، وفي السنة المالية 2025 صدر نحو 63 بالمئة من أوامر الإبعاد في القضايا المستهلة حديثاً غيابياً، بحق أشخاص لم يكونوا في قاعة المحكمة. في النهاية، الدرس الظاهر للمواطنين في ألمانيا والولايات المتحدة على السواء واحد تقريباً: القرارات الرسمية لنظام الهجرة لا تصف ما يحدث فعلاً.
لخطابنا الأمريكي نسخته الخاصة من افتراض اللاترحيل، وهي تختبئ داخل موقف يبدو معتدلاً: فكرة أنّ الإنفاذ مشروع فقط ضد «المجرمين». حين لقّبت جانيت مورغيا من National Council of La Raza باراك أوباما بلقب «كبير المرحّلين» عام 2014، كانت إدارته قد سجلت للتو الرقم القياسي الحديث البالغ أكثر من 438 ألف عملية إبعاد في عام واحد. وقد التصق اللقب تحديداً لأنّ معظم من أُبعدوا لم يكونوا خطرين.
ينطلق منتقدو إدارة ترامب اليوم من المقدمة نفسها لكن من الاتجاه المعاكس، محتجين بأنّ الحملة غير مشروعة لأنّ العملاء يعتقلون البستانيين بدل أفراد العصابات. إعطاء الأولوية للمخالفين الخطرين فرز صائب، وأنا أشارك في الاشمئزاز مما حل محله. لكن لاحظ ما تعنيه المقدمة إن أخذتها مبدأً لا أولوية: أنّ انتهاك قانون الهجرة في حد ذاته لا يجوز أبداً، حتى بعد عملية كاملة، أن يحمل العاقبة التي ينص عليها القانون. كل نظام قانوني يقوم على السلطة التقديرية، لكنّ حظراً قاطعاً على الإنفاذ يلغي عملياً القانون الذي يدّعي تلطيفه.
قيادة الإنفاذ في عهد أوباما نفسها فهمت هذا التمييز؛ ففي سنته الأخيرة في المنصب، شمل أكثر من 90 بالمئة من عمليات الإبعاد الداخلية أشخاصاً بإدانات جنائية خطيرة، ومع ذلك احتفظ النظام بالقدرة المعلنة على إبعاد آخرين صدرت بحقهم أوامر نهائية. وفقدان تلك القدرة لا ينتج توازناً أكثر إنسانية؛ بل ينتج السيناريو الألماني، حيث يعيش ربع مليون شخص معلقين بين قرار قانوني وعاقبته. كثير من «المتسامَح معهم» سيفضلون بلا شك حالة اللايقين على الترحيل، حتى لو كان ما يريدونه فعلاً وضعاً قانونياً آمناً. لكنّ الديمقراطية الليبرالية تبقى ديمقراطية، وقواعد الهجرة فيها متروكة في نهاية المطاف للمواطنين وممثليهم.
الترحيل يجدي فعلاً
حسناً، قد تقول الآن: لا بأس، قد يكون الترحيل مشروعاً من حيث المبدأ، لكنه لا يجدي، وبالتالي فكل هذه القسوة لا تشتري شيئاً. أو على وجه الدقة، الترحيل لا يساعد على ردع الناس عن القدوم بصورة غير قانونية.
يأتي هذا الاستدلال عادةً في خطوتين. الخطوة الأولى تقول إنّ تقييد الهجرة القانونية لا يمكن أن ينجح لأنه يزيح الأشخاص أنفسهم فحسب إلى القنوات غير القانونية. والخطوة الثانية تقول إنّ الإنفاذ والترحيل لا يمكن أن ينجحا أيضاً، لأنّ عوامل الدفع تقرر كل شيء. فالناس الذين يخاطرون بحياتهم لعبور الحدود تدفعهم ظروف بلدانهم الأصلية، ولن يؤثر أي شيء تفعله الحكومة الأمريكية في قراراتهم.
لا تصمد أي من الخطوتين أمام الأدلة. هاين دي هاس وماتياس تشايكا وزملاؤهما، الذين درسوا آثار سياسات الهجرة بمنهجية لا يضاهيهم فيها أحد تقريباً، يخلصون إلى أنّ هذه السياسات «فعالة عموماً»: القيود تقلص فعلاً التدفقات التي تستهدفها، والانحراف الموثق نحو القنوات غير النظامية جزئي فحسب. وفي دراسة أوروبية ذات صلة، وجد تشايكا وموغنس هوبولت أنّ زيادة بنسبة 10 بالمئة في رفض طلبات اللجوء والتأشيرات رفعت الهجرة غير النظامية بنسبة 2–4 بالمئة و4–7 بالمئة فقط على التوالي، وهو بعيد كل البعد عن الإزاحة الكاملة واحداً بواحد. والهجرة ليست المجال الوحيد الذي يرتكب فيه أذكياء هذا الخطأ، فطريقة التفكير القائمة على الكمية الثابتة تمتد إلى ما هو أبعد بكثير، إلى نقاشات حظر أي شيء تقريباً.
هكذا، شئت أم أبيت، سياسة الهجرة تغيّر فعلاً من يأتي، وكم عددهم، وعبر أي باب، وقد أثبت العامان الأخيران ذلك على نطاق واسع. فقد هبطت حالات الاعتراض التي سجلها حرس الحدود عند الحدود الجنوبية من أكثر من مليونين في السنة المالية 2023 إلى أقل من 240 ألفاً في السنة المالية 2025، وهو أدنى مستوى سنوي منذ أكثر من 50 عاماً، مع كون الإجماليات الشهرية لعام 2025 من بين الأدنى المسجلة على الإطلاق. ويتوقع اقتصاديون في Brookings وAEI أنّ صافي الهجرة صار سالباً في 2025 للمرة الأولى منذ نحو نصف قرن، مع احتمال أن يفوق عددُ المغادرين استجابةً لمناخ الإنفاذ عددَ من أُبعدوا رسمياً. نعم، الانخفاض بدأ في يناير 2024 في عهد بايدن وقام الإنفاذ المكسيكي المشدد بكثير من العمل المبكر، لكن لا يستطيع أحد أن ينظر إلى هذه الأرقام ويواصل الادعاء بوجه جاد أنّ الإنفاذ بلا أثر رادع على الهجرة غير المصرح بها.
والردع ليس سوى جزء من الحجة على أي حال. لطالما ميّز علماء الجريمة بين ردع الجريمة ومجرد منع مرتكبها من مواصلتها، والترحيل يجري عبر القنوات نفسها. فهو، مثل السجن، يجدي حتى حين لا يخيف أحداً آخر: إنه ينهي إقامة حكمت المحاكم فعلاً بعدم قانونيتها ويوقف التكاليف المحلية التي ذكرتها أعلاه. وحتى لو كان الأثر الرادع قريباً من الصفر بطريقة ما، فسيظل تنفيذ عمليات الإبعاد جديراً بالقيام به، شأنه شأن أي حكم نهائي آخر.
الناس يستجيبون للقواعد ذات المصداقية، وهذا بالضبط ما يجعل القواعد نفسها بحاجة إلى أن تكون جديرة بالإنفاذ. علينا بالتأكيد ألا ننسى أنّ كل عبور جرى ردعه وكل مرحَّل هو إنسان لن يحصل أبداً على ما كان سيشكل على الأرجح أكبر مكسب دخل في حياته، وأنّ الخسارة لمن يفرون من الاضطهاد قد تكون السلامة ذاتها. ما يبرر دفع ذلك الثمن هو ما يشتريه: نظام موثوق بما يكفي لمواصلة قبول الناس، والمزيد منهم في الحالة المثلى، عبر الباب الأمامي.6
الترحيل هو ما تدين به الديمقراطية لمواطنيها
أعمق سبب لوجوب بقاء الترحيل ممكناً في ديمقراطية ليبرالية يتعلق بما تدين به الحكومة الديمقراطية للناس الذين يمنحونها سلطتها. فالديمقراطية الليبرالية جماعة سياسية ذاتية الحكم: المواطنون يتحملون التكاليف المحلية للسياسات، ويُسقطون الحكومات بالانتخاب حين تفشل السياسات، ويضعون (بصورة غير مباشرة) قواعد ملزمة لإقليم محدود، بما في ذلك قواعد من يجوز له الدخول والبقاء. والقاعدة التي لا يمكن إنفاذها بحق أي أحد أبداً هي طموح لا قانون، والناخبون يميزون الفرق. لذا لا يتحتم ترحيل أحد بعينه في أي يوم بعينه، لكن يجب أن يظل الترحيل ممكناً من حيث المبدأ، على أن يُحسم العدد الفعلي بعملية سليمة لا بالشلل أو الاستعراض.
في بحثي الأخير، جادلت بأنّ حماية المهاجرين لأسباب إنسانية لا تظل راسخة سياسياً إلا على أساس من الثقة بالنظام الأوسع، بما في ذلك إنفاذه. أما مقدار ما يغذي أداءُ الإبعاد نفسه تلك الثقة فهو بالضبط نوع الأسئلة التي ينبغي لحقلي البحثي اختبارها بدل تجنبها. الحكومة التي تطلب من المواطنين قبول الهجرة بينما تمتنع على مرأى من الجميع عن إنفاذ قراراتها النهائية إنما تطلب ثقة لم تكسبها، وترموستات الهجرة ينطلق في نهاية المطاف: حين يشعر الناخبون بأنّ النظام خارج عن السيطرة، يدفعون السياسة في الاتجاه المعاكس، وعادةً بقوة تفوق ما قصده أي أحد.
لا يملي أي من هذا وجهة المرحّلين، والوجهة هي حيث يكسب الإنفاذ شرعيته أو يخسرها: في الحالة الاعتيادية، بلد المنشأ أو بلد ثالث بموجب اتفاق يصون حقوق الإنسان الأساسية، وليس أبداً سجناً شديد الحراسة تديره دولة استبدادية ثالثة. الأساس القانوني يستحق أن يقال هنا بوضوح، لأنّ المدافعين عن الهجرة يميلون إلى مواصلة تمويهه، على نحو مزعج. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يكفل حق مغادرة أي بلد وحق التماس اللجوء هرباً من الاضطهاد؛ وهو لا يتضمن حقاً في دخول البلد الذي تختاره، ولا حقاً في عدم الإبعاد بعد أن تقول عملية قانونية «لا». وبقدر ما يكون أي من هذا قابلاً للإنفاذ أصلاً، فإنّ الحدود الصارمة للقانون الدولي، وعلى رأسها حظر إعادة أي شخص إلى الاضطهاد أو التعذيب، تحكم أين وكيف يجوز أن يجري الإبعاد؛ وهي لا تجعل الإبعاد نفسه غير مشروع.
والالتزام يمتد إلى غير المواطنين أيضاً، وهنا تفترق حجتي عن الحجة التقييدية. فالديمقراطية الليبرالية تدين لكل شخص في إجراءات الإبعاد بجلسة استماع جادة، وترجمة كفؤة، ومعلومات دقيقة عن بلده الأصلي، وحماية من الإعادة إلى الاضطهاد، ومعاملة لا تصبح مهينة أبداً. والأشخاص الذين يخونهم انهيار التمييز بين الإبعاد القانوني والقوة التعسفية أكثر من غيرهم هم غير المواطنين أصحاب الطلبات القوية، الذين تغرق قضاياهم في نظام لا يثق به أحد.
ما يترتب على ذلك من سياسات يستحق مقالاً خاصاً به، وقد سبق أن رسمت الصيغة العامة في Reason: قدرة إدارية، وهي القيد الملزم في ألمانيا كما في أمريكا، تقدم حماية أسرع لمن يستحقونها وإبعاداً أسرع للحالات غير المؤهلة بوضوح، وإنفاذ يمكن التنبؤ به بما يكفي لتبدو القواعد حقيقية في الحياة اليومية للمواطنين العاديين وغير المواطنين على السواء. وينبغي أن يكون هدف هذا كله نظام ترحيل موثوقاً ومنضبطاً ومملاً.
المدافعون الجادون عن الهجرة يعرفون أصلاً كثيراً من هذا، أياً كان رأيهم في طريقتي في طرحه. فـمخطط American Immigration Council لإعادة بناء نظام اللجوء يقرّ بأنه حتى مع تنفيذ كل إصلاح من إصلاحاته، فإنّ من ليست لديهم طلبات وجيهة «سيظلون يُعتبرون غير مؤهلين للحماية وسيصدر أمر بترحيلهم». وكما قالت دارا ليند، التي أثق بتوثيقها لإخفاقات الإنفاذ الأمريكية أكثر من أي أحد تقريباً، عند إطلاق ذلك المخطط: «المشكلة ليست أنّ عدداً مفرطاً من الناس يلتمسون اللجوء. المشكلة أنّ الولايات المتحدة لم تقم بما يلزم للتعامل مع من يأتون. هذا ما يولّد ردة الفعل العنيفة».
من سيحكم بعد ترامب، وأي ائتلافات سائدة ستنجو في أوروبا، سيرثون الخيار نفسه: امتلاك ملف الإنفاذ وجعله قانونياً، أو مواصلة التنازل عنه لمن يستمتعون به. ردة الفعل على أساليب هذه الإدارة ستغري الديمقراطيين بتعريف أنفسهم بنقيض كل ما تفعله ICE، تماماً كما يغري الضغط الإنساني المسؤولين الألمان بترك كل ملف من دون مساس. كلتا الغريزتين تبدوان إنسانيتين، وكلتاهما تواصلان إنتاج السياسة التي لدينا حالياً.
لذا، فإنّ طلبي من قرائي المتشككين، على افتراض أنكم ما زلتم هنا جميعاً، طلب صغير نوعاً ما. ما أريده من المؤيدين للهجرة هو إقرار صريح بأنه في ديمقراطية ليبرالية لديها أي قواعد هجرة تستحق الوجود، عدد الترحيلات المبررة ليس صفراً. لا أريدكم أن تهتفوا لعملاء ملثمين أو أن تؤيدوا أهداف الإبعاد التي يضعها أي أحد كي تمنحوا هذا الإقرار. لكن ما إن نقول بصوت عالٍ إنّ الترحيل مشروع وضروري، حتى نستطيع أخيراً أن نتجادل حول الأسئلة المهمة: كم عدد المرحّلين، وبعد أي عملية، وماذا نفعل حين يكون الإبعاد غير قانوني. الديمقراطية الليبرالية التي لا تستطيع قول «لا» لن تُصدَّق حين تقول «نعم».
شكر جزيل لـمايك ريغز ويانيك رايغل على اقتراحاتهما المفيدة على المسودة.
تقدير ICE نفسها لمتوسط التكلفة اللازمة لاعتقال شخص واحد واحتجازه وترحيله يبلغ نحو 17 ألف دولار، والتقديرات المستقلة التي تأخذ في الحسبان الاحتجاز الأطول تصل إلى أضعاف ذلك. ورحلات الترحيل المستأجرة في ألمانيا كلّفت الحكومة أكثر من 30 مليون يورو في 2023 لنحو 6500 مرحَّل، أي قرابة 5000 يورو للشخص ثمناً للطائرة وحدها، بينما تحتسب مرافقة الشرطة والاحتجاز وبقية الآلية على نحو منفصل. ↩
الرد الليبرتاري الكلاسيكي، بالطبع، هو الإبقاء على المهاجرين وتقليص دولة الرعاية بدلاً من ذلك، أو على الأقل عزل المزايا عن القادمين الجدد. هذا الموقف متماسك داخلياً، لكن لا يكاد يوجد من يتفق مع الليبرتاريين حول الحدود المفتوحة ويتفق معهم أيضاً حول تقليص دولة الرعاية (باستثناء ليبرتاريين آخرين)، ولذا فإنّ هذه الصفقة الشاملة بلا مشترين سياسيين. ↩
بالطبع، الشخص الذي يخسر يدفع ثمناً مع ذلك: فسنوات من حالة اللايقين عاقبة حقيقية على الفرد. لكن من منظور نظام الهجرة، «لا» لا تُنفَّذ أبداً لا تغيّر شيئاً في من يبقى. ↩
ولم تكن شارلوت الأسوأ على الإطلاق. ففي يناير، أطلق عملاء فيدراليون النار على مواطنَين أمريكيَين وقتلوهما أثناء احتجاجهما على عمليات ICE في مينيابوليس: رينيه غود، أم في السابعة والثلاثين قُتلت بالرصاص في سيارتها، وأليكس بريتي، ممرض عناية مركزة قُتل بالرصاص وهو يصور عملية اعتقال. تتمسك الإدارة بأنّ كلا الحادثين كان دفاعاً مشروعاً عن النفس، بينما تفيد التقارير بأنّ مسؤولي الولاية وأدلة الفيديو يناقضون تلك الروايات، وقد أشعلت الوفاتان احتجاجات حاشدة ومواجهات بين الولايات والحكومة الفيدرالية كانت لتُعد غير متصورة قبل عام. ↩
زعمت وزارة الأمن الداخلي أنّ عدد السكان غير المصرح لهم انخفض بمقدار 1.6 مليون في الأشهر الستة الأولى للإدارة، وهو رقم يفترض ترحيلاً ذاتياً جماعياً، بينما أظهرت سجلاتها الداخلية نحو 13 ألف مغادرة ذاتية إلى جانب نحو 150 ألف عملية ترحيل. ويرى ديمغرافيون مستقلون أنّ التدفق الخارج الحقيقي كبير لكنه أدنى بكثير من الادعاء الرسمي، وجودة البيانات سيئة إلى حد أنّ جيفري باسل من Pew يحذر من استنتاج حدوث نزوح جماعي أصلاً. ↩
كالعادة، نجحت بريطانيا العظمى في الجمع بين أسوأ ما في العالمين. فـ«البيئة العدائية» التي أطلقتها تيريزا ماي عام 2012 وكُرّست في قانونَي الهجرة لعامي 2014 و2016 أنتجت فضيحة Windrush، التي احتجزت فيها وزارة الداخلية ورحّلت خطأً مقيمين قانونيين من حقبة الكومنولث، بينما وجدت المراجعة الرسمية أدلة ضئيلة على أنّ أحداً قاس أصلاً ما إذا كانت السياسة قد حققت أهدافها. ↩
